محمد متولي الشعراوي
2791
تفسير الشعراوى
العربي : سنة أذابت الشحم ، وسنة أفنت اللحم ، وسنة محت العظم . فكأن البداية تكون التغذية من الشحم ومن بعد ذلك من اللحم ومن بعد الشحم واللحم يأخذ الجسم غذاءه من العظم . وهذه هي التي جاءت على لسان سيدنا زكريا : ( قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) . فآخر مخزن للتغذية لم يعد به ما يمكن أن يستمد منه زكريا طاقة الإنجاب . وما الذي يغذيه العظم من الجسم ؟ إنه يغذى المخ ، وهو السيد الأعلى الذي يدير كل جارحة في الجسم ، وتعمل كل جارحة في خدمته ، ويعيش المخ بطبيعة الحال كل عمره في خدمة الجوارح ، يرتب لها قدرات العمل والتفكير والإحساس والسلوك ، وما دام المخ موجودا ، فكل شئ يتم تعويضه . ولذلك يحاولون - الآن - تعريف الموت طبيا ، فيقولون : لا يحدث الموت ما دامت خلايا المخ حية ؛ فإذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت . ومن عجيب الأمر أن سيد الإنسان له مكان في أعلى الجسم إنه هو المخ ، داخل الجمجمة ، أما النبات فسيده في الجذور . وإن لم تجد الجذور مياها تذيب بها العناصر في الأرض فالنبات يأخذ غذاءه من الورق ، وبعد أن يذبل الورق يأخذ النبات غذاءه من الفروع الصغيرة . وعندما تذبل تلك الفروع وتجف ولا ينقذ النبات إلا مجىء بعض الماء للجذور . وكذلك المخ بالنسبة للإنسان . فكأن مريم شجعت سيدنا زكريا عندما قالت أمامه : ( إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) فدعا سيدنا زكريا اللّه أن يرزقه بالولد ، فجاءه الولد . وهذه القضية نطقت بها مريم وتمت تجربتها في سيدنا زكريا . وبعد ذلك جاءها البشير بميلاد المسيح عيسى ابن مريم : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) ( سورة آل عمران )